الرئيسية آراء و مقالات محمد عبد الماجد يكتب: استبداد الناشرين

محمد عبد الماجد يكتب: استبداد الناشرين

بـ النورس نيوز

(1)

 

قبل أن ندخل للمجال الإعلامي، كنا نحمل انطباعات جميلة عن كبار الصحفيين والناشرين، وكنا نضع بعضهم مُثل لنا ونعتبرهم اسوة حسنة، ونحن نقرأ لهم من الاقاليم، حتى اذا ولجنا للمجال الصحفي وجدناهم بغير ما كنا نحمله عنهم من جمال ، صدمنا فيهم ذلك … كثير منهم اتضح لنا انه يكتب ما لا يفعل – اذ تبقى أعمدتهم لافتات وشعارات جميلة لا تعبر عنهم ولا تعكس تعاملاتهم وحياتهم ما ينادون به.

عرفت الشاعر محجوب شريف فوجدت المبادئ التي يدعو لها – يطبقها على نفسه بصورة اكبر.

 

لقد مارس محجوب شريف (انسانيته) وعاش (نضاله) حتى كلفه ذلك تليف في الرئة مات بسببه.

شاهدت حميد فوجدته كتلة من النقاء والشفافية – يتحدث لك بلطف وهدوء وتواضع كبير.

 

ابوعركي البخيت الآن يقدم نموذج الفنان الذي يدفع فواتير مواقفه – من صحته وأسرته وفنه وإبداعه.

 

رفض ابوعركي الهجرة والخروج من البلد وظل ممسكاً بجمر القضية دون ان يحيد حتى وهو يستقبل (جثمان) صنو روحه وزوجته في (تابوت) قادم من الخارج.

 

ندرك ان المواقف ثمنها باهظ.

 

البطولات لا تحقق عن طريق استعمال (الثلج).

 

كلفة هذا الزيف سوف ندفعه ولو كان ذلك من اعمارنا.

 

في الصحافة لم اجد مثل هذه النماذج كثيراً – عملنا مع ناشرين مثل (قشارات) الفول لا هم لهم ولا هدف غير التكسّب من عرق الصحفيين ومن جهودهم.

 

ناشرون كانوا عبارة عن نقاط (جباية) ومراكز استخلاص (الرسوم) يستيقظون في كل صباح وهم لا هم لهم غير مراجعة ارقام التوزيع. ليهرعوا في كل مساء الى (الراجع) ليبيعونه بالكيلو وهم في ذلك يفاصلون.

 

بعض الناشرين ينظرون الى الصحفي كرقم توزيع …وعندما لا يحقق لهم الصحفي ذلك ينظرون له كما ينظرون الى راجع صحفهم الكاسدة ليبيعونها كورق (تالف)، لذلك يسعون بكافة الطرق الشرعية وغير الشرعية للتخلص منه.

 

يتكسبون حتى من تالف الصحف.

 

بعض الشخصيات الهلامية يجب ان تكشف حقيقتهم وهم يظهرون للناس في ثياب الواعظين ويدّعون الحكمة وهم ليس لهم فيها اكثر من صورة (سيلفي) لتضع في بروفايلاتهم الزائفة التي تتحدث عن سيرتهم العظيمة.

 

نحن لا نعمل شيئاً في السر نخشى ان يخرج للعلن …وليس لنا حسبة او وجه نظهر به في (الظلام) ونخشى ان نظهر به في (النور) – على استعداد ان نواجه أي شخص ، لا نخشى في ذلك احداً ، وليس في سيرتنا ما يمكن ان نخجل او نخاف منه.

 

(2)

 

ناشر ورئيس تحرير كبير – ظل يدعو الناس الى المثل والقيم ، وكان بصورة دائمة يدعو الى (المدينة الفاضلة) ويظهر في ثوب (ملائكي) ، ويتحدث بشكل (حالم) ويناصح الحكومة كمفكر وقديس – يمقت الظلم ولا يهادن فى كلمة الحق.

 

هذا الناشر بكل هذه المثالية … يتعامل مع المحررين في صحيفته بالقطعة …ويبلغ راتب من يعمل معه من الصحفيين بصورة ثابتة الف جنيه ونصف الف جنيه.

 

هل تصدقون هذا؟

 

دعكم من هذا الناشر …معظم الصحف التي تصدر في الخرطوم وفي ظل هذه الاوضاع رواتب الكثير من الصحفيين فيها لا يتجاوز سبعة الاف جنيه – بل ان الغالبية منهم راتبه الشهري (4) الاف جنيه بدون بدل وجبة او مواصلات.

 

الذي نحفظه لناشر صحيفة (الحراك السياسي) الاستاذ خالد الخليفة انه منحنا ميزانية مفتوحة في مرتبات الصحفيين لنصل وقتها الى رواتب تتفاوت بين (15) الف جنيه و(80) الف جنيه… ولو كنا نعمل معه حتى وقتنا هذا لضاعفنا هذه الارقام.

 

 

مجلس الصحافة ان كان موجوداً!! واتحاد الصحفيين ان كان له اثر !! ووزارة الاعلام ان كانت تسمع !! وحكومة حمدوك ان كانت ترى!! اين هم من هذا الذي يحدث للصحفيين ومن العيشة الضنكا التي يعيشونها في الصحف؟

 

أنا اعمل في ثلاث مؤسسات اعلامية كبيرة وبمرتبات بحمد الله جيدة – مع هذا فان رواتبي تنتهي من يوم 10 في الشهر، حيث الجأ بعد ذلك الى (الخطة ب) من جرورة وسلف والله كريم.

 

ولولا ان الاعلام (هواية) لي …والصحافة متعة بالنسبة لي لهجرت هذه المهنة التي لا تسدد رواتبها فاتورة استهلاك الوقود للسيارة في الشهر.

 

شباب الصحافة السودانية بمرتبات تتراوح بين 4 الاف جنيه و10 الاف جنيه كيف يعملون وكيف يقدمون خدمة اعلامية لهذه الامة وهم بطموحات كبيرة وأحلام مؤجلة ومستقبل منتظر.

 

هذه الاوضاع لا يمكن ان تنتج صحافة حرة ومحترمة – لهذا تهيم صحافتنا في ذلك الدرك.

 

(3)

 

اعرف الكثير من الصحفيين الذين يعملون في الصحف ويجتهدون في المواقع الالكترونية ليستطيعوا فقط الوصول الى الخرطوم.

 

واعرف عدداً كبيراً من المصححين والمصممين يعملون في ثلاث صحف وأكثر الى جانب عملهم في عدد من المواقع فيفقدون (نظرهم) او هم مهددون بفقدان (البصر) بسبب جلوسهم الدائم امام الجهاز وحرمان أنفسهم من ممارسة حياتهم الطبيعية ومن التمتع حتى بالأجواء الاسرية الخاصة يوم الجمعة او في الاعياد المباركة لأنهم يعملون ولا يتوقفون.

 

وبعضهم تعرض للإصابة بالغضروف من طول الجلوس امام جهاز التصميم او التصحيح او المتابعة والنشر… وجزاؤهم بعد ذلك مرتبات ضئيلة.

 

هل تتخيلوا ان هناك ناشراً قام بفصل صحفي كبير ، لأن هذا الصحفي اضحى وهو في دوامة العمل يصاب بكومة سكري تفقده وعيه …وهذا الناشر يرهقه ان يوصل هذا الصحفي الذي سقط في صحيفته الى داره رغم ان الناشر يمتلك شركة لتأمين السيارات ولا يعمل على تأمين (الصحفي) حتى وهو مغشي عليه.

 

المدير التنفيذي لهذا الناشر عندما سألته عن السبب في فصل هذا الصحافي قال ان سبب الفصل (كومة السكري) التي تأتي له اثناء اوقات العمل الرسمية …وكأن قانون العمل عندهم يحدد ان تكون الاصابة بكومة السكري بعد ساعات العمل او في الاجازات والعطلات الرسمية!!

 

نفس هذا الناشر تخلص من صحافي كبير اخر – بسبب ضعف نظره – علماً ان نجاح صحيفته قام على هذا (البصر) الذي لم يحتمل ضعفه.

 

وصحفي اخر رحل من هذه الدنيا بعد ان خرج من مباني الصحيفة التي فشل في ان يحصل منها على حقوقه ليموت وهو في الطريق الى منزله. لقد قتلته الحسرة قبل ان يقتله المرض.

 

(4)

بغم /

 

نظام قمعي سقط بعد (30) سنة – لم تحمه مليشياته ولا كتائب ظله ولا شعاراته البراقة.

 

رفعوا شعار (الدين) وادعوا حراسة الوطن الذي باعوا ترابه …وجزموا ان من مات منهم شهيد في الجنة ومن مات من سواهم في النار.

 

هناك سلوكيات يجب ان تتغير وأصنام وأبقار مقدسة يجب ان تكشف وتتعرى للرأي العام حتى يعرف الشارع حقيقتهم.

 

مثل هذه المعارك نحن على استعداد تام للدخول فيها – بل نحن تواقون لذلك حتى يستقيم (العود) ليستقيم (الظل).

 

لن تفقد في هذه المعارك غير أعقاب السجائر،  و(أصدقاء السوء

اضغط هنا للإنضمام لقروبات الواتساب " النورس نيوز"



اكتب تعليقاً