آراء و مقالات

همس الحروف … لا تتعجلوا في أحكامكم يا سادة … الباقر عبد القيوم علي

بعد أن تم نشر مقالي أمس البارحة و الذي كان بعنوان عبد الرحيم دقلو .. رقم وطني مميز لن يخطئه المدح و الثناء أبداً ثار جدل كثيف غير مسبوق حول هذا المقال و تباينت الأراء ما بين رافض شرش للموضوع في أصله و منتقد بتعقل و متحفظ ، و لكن بعض المتعجلين في الأحكام و خصوصاً الذين تحملهم العواطف المشبوبة كالوا على بحمل بعير و زادوا في قبيح الظن ، و لعل من أميز ما يميز مجتمعنا السوداني هذا هو تخوين الآخر الذي لا يتفق معه في الرأي حيث جاءت كل مواقفهم هذه على خلفية الظروف الإستثنائية التى تشهدها البلاد حالياً .

 

كنت مقيماً في إحدي الدول العربية و التى جاء إليها جون قرنق زائراً و كان ذلك في الوقت متمرداً ضد حكومة الإنقاذ ، و في أشد حربه ضدها ، فذهبت إليه في مكان إقامته و رحبت به كضيف عزيز و رمز من رموز بلادي و دعوته لمأدبة عشاء ترحيباً به و من معه و لقد لبى الدعوة بعد أن علم بحسن نواييا و خلوها من الغرض السياسي الرخيص و لقد فرح بها كثيراً و التي كان لها أثرها الطيب فيما بعد ، و لكن سرعان ما أن قام الكثيرين من أنصار الحكومة وقتها بتدبيج التهم التي كانت تصرف بوصفات تخوينية عالية و هنا بدأت تظهر نظريات المؤامرة بكل أنواعها ضدي ، و لكن دوام الحال كان من المحال و سرعان ما تبدلت المواقف ضد الرجل حيث صار عدو الأمس هو صديق اليوم و هذا هو حال السياسة و الساسة أصحاب الأفق الضيق الذي لا تتسع قلوبهم لمن خالف رؤيتهم ، و لا يعرفون الوسطية و لا يميزون بين نوعية العلاقات الإجتماعية و الأخري التي يكون لها خلفيات مأدلجة قد تحمل في طياتها أغراض مدسوسة أو معلنة ، فحينما بدأت مفاوضات نيفاشا ، حيث أصبحت أنا وقتها رسول السلام الذي يثق فيها الطرفان ، فالمواقف دائماً متغيرة هكذا و لا تدوم ، و لهذا يجب أن تتسع قلوبنا على تحمل الآخرين و إن إختلفنا معهم في الآراء و المواقف ، و لعل الكثيرين كانوا قبل ال 25 من إكتوبر يهتفون بحياة الدكتور حمدوك و اليوم عندهم أصبح خائناً أشر لمجرد أن تحرك مؤشر الأفكار و القناعات عنده .

حينما دب الخلاف داخل مؤسسة الرئاسة تبنيت أنا و مجموعة من مدراء الجامعات مبادرة لرأب صدع المؤسسة الرئاسية و كان على رأسها بروف هنود أبيا كدوف مدير جامعة أفريقيا العالمية و التي قبلها الشق العسكري و تحفظ عليها الشق المدني و رفضتها حاضنهم السياسية و كان رفضهم لها بغرور إلى أن حدث ما حدث و حينها وقع الفأس على الرأس ، و خرج الشارع رافضاً لذلك و مطالباً بعودة حمدوك إلى موقعه حيث كان هذا المطلب هو الأوحد و عندها قمنا مرة أخرى بتفعيل مبادرتنا و وجدنا هنالك من يحمل نفس همنا بيد أنه كان يقاتل بضراوة أشد من قتالنا لعودة حمدوك لموقعه و كان صادقاً و متفانياً في أدائه و الخير بالخير يذكر ، و إن إختلف البعض معه و لكن المواقف لا تغير الحقائق أبداً .. فاحيانا” يكون هنالك إختلاف في درجة الفهم و التحليل والقياس . و لكن تظل الحقائق ثابتة كالجبال الراسيات ، فكان هذا الجندي المجهول هو السيد عبد الرحيم دقلو قائد ثاني الدعم السريع الذي كان يتخفى من الإعلام من باب قضاء الحوائج بالكتمان .

فالناشطون المحمولون على العواطف دائماً يتعجلون في إصدار الأحكام التى تخرج منهم أحياناً بدون تريث في التفكير و معظمهم ينظرون للأمور بقصر نظر شديد و لا يحاولون قراءة الأحداث إلا من باب زاويتهم الحرجة والتي دائماً تكون مبنية على النظرة الضيقة جداً التي لا تتسع إلا لفكرتهم ، فيسعون بكل ما يستطيعون في كيل النقد و تخوين كل من خالفهم .

فالسيد عبد الرحيم دقلو قام بعمل جبار و هو عودة الدكتور حمدوك لموقعة ، و حينما عاد تباينت عند ذلك المواقف و إنقسم الشارع و أنصاره إلى قسمين ، فمنهم من خونه في البداية و لكن سرعان ما تراجع عن ذلك التخوين ، و منهم من مضى في فكرته و إعتبر أن حمدوك كان جزءاً من المؤامرة ، إذا كانت هنالك في الأصل مؤامرة .

فلقد تحول مقالي إلى حالة عند البعض على الرغم من أنه كان مقالاً لا يحمل إلا إثبات حق في حق رجل قام بعمل وطني جبار يستحق عليه كيل من المدح و الثناء على الرغم من أن حرية الرأي مكفولة للجميع ، و كان من الممكن ممارسة حق النقد بدون إتهام بالباطل أو تجريح أو تخوين . و لعل سورة الكافرون كانت عبارة عن إعلان واضح و صريح من أجل توضيح المسافات بين البشر في معتقداتهم الدينية و السياسية و جميع القضايا الخلافية .. و على العموم كان هذا هو رأيي في الرجل حول هذه القضية بالذات و بعض القضايا الأخرى .. فأين المشكلة و لماذا الحجر على حرية الرأي ، أنا لم أقوم بإساءة أحد من الناس .. و لماذا أعطى البعض أنفسهم حق الإساءة لي و بقصد و تعمد ، يريدون ان يسيرون الناس بوجهة نظرهم في الوقت الذي كنت إحترم فيه كل أرائهم و أن إختلفوا معي .. انا لي رأيي الخاص و هم لهم أرائهم .. و أنا أكتب من واقع دفتر أحوالي التي عايشتها من واقع كان ملموساً و بعضهم كان و ما زال يستقي الأخبار من ما يروج في الاسافير

و لكن أريد أن أرد عليهم بقصة الإعرابي صاحب القطيع و ضيفه الشاب الجرئ الذي تفاجأ الإعرابي بمجيئه إليه ، حيث وقف بمكان كان قريباً من قطيعه : و تحدث معه بكل لطف و قال له : إذا قلت لك كم عدد خرافك التي ترعاها فهل سوف تعطيني واحداً منها ؟ ، فظن الإعرابي إستحالة الأمر و لذلك أجابه بعبارة نعم . فحينها أخرج الشاب كمبيوتره ودخل الإنترنت ، ‏وانتقل إلى موقع وكالة الفضاء الأمريكية ، حيث حصل على خدمة تحديد المواقع عبر الأقمار الصناعية ( جي.بي.إس) ، ثم فتح بنك المعلومات و إسخدم جدولاً في برامج إكسل وخلال دقائق معدودات قال للإعرابي : لديك كذا رأسا من البهائم و أعطاه رقماً ، وكان ذلك الرقم صحيحاً. فقال له الإعرابي متعجباً منه : تفضل باختيار الخروف الذي يعجبك . فترجل الشاب وسار يبحث بين القطيع ثم رفع واحداً منه في صندوق سيارتة الخلفي .

و عندئذ قال له الإعرابي : هل لو استطعت أن أعرف طبيعة ونوع عملك هل ستعيد لي خروفي؟ فوافق الشاب على الشرط مستبسطاً عقلية الإعرابي .. و حينها قال له : أنت تعمل مستشاراً ، فدهش الشاب وقال له : هذا صحيح ولكن كيف عرفت ذلك ! فقال له : بسيطة جداً .. أولاً : لقد أتيت إلى هنا دون أن يطلب منك أحد ذلك !. و ‏ثانياً: لقد تدخلت في عملي وأنت لا تعرف شيئا عنه !. و ثالثاً: لقد سعيت لنيل مكافأة كبيرة عن عمل هو في الأصل بسيط و كان عبارة عن سؤال عادي غير ضروري أنت قمت بطرحه على و لم تكن انت تعرف الإجابة عنه إلا بمعينات إستخدمتها لمعرفة ذلك بينما كنت أنا أعرف إجابته سلفاً !. … و أضاف عموماً هذه هي صفات من يسمون أنفسهم بالمستشارين .. و ‏على كل حال أرجو أن تخرج كلبي من صندوق سيارتك فإنه ليس خروفاً !!

فهذا هو حال أكثرنا نقوم بإنتقاد بعضنا في أي أمر دون أن نبحث في التفاصيل ، و يظن من يقوم بذلك أنه هو من يعلم بكل شيء و هو في الأصل بدون علم يجعله يقيم أداء الآخرين .. أسأل الله أن يرزقنا العلم النافع الذي ينفعنا في بناء ذاتنا و أوطاننا .


انضم لقروب النورس نيوز على واتسب 


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *